الجبرتي
385
عجائب الآثار
ورد عليه انسان ورآه مرة وغاب عنه سنين ثم نظره وخاطبه عرفه وتذكره ولا ينساه وحاله فيما ذكر من الضيفان والوافدين والمسترفدين أمر مستمر على الدوام لا ينقطع أبدا وكان الفراشون والخدم يهيئون أمر الفطور من طلوع الفجر فلا يفرغون من ذلك الا ضحوة النهار ثم يشرعون في أمر الغداء من الضحوة الكبرى إلى قريب العصر ثم يبتدئون في أمر العشاء وهكذا وعنده من الجواري والسراري والمماليك والعبيد شيء كثير ويطلب في كل سنة دفتر الأرقاء ويسأل عن مقدار من مات منهم فان وجده خمسمائة أو أربعمائة استبش وانشرح وان وجده ثلاثمائة أو أقل أو نحو ذلك اغتم وانقبض خاطره ورأى أن ربما كانت في أعظم من ذلك وكان له برسم زراعة قصب السكر وشركة فقط اثنا عشر ألف ثور وهذا بخلاف المعد للحرث ودراس الغلال والسواقي والطواحين والجواميس والأبقار الحلابة وغير ذلك واما شون الغلال وحواصل السكر والتمر بأنواعه والعجوة فشئ لا يعد ولا يحد وكان الانسان الغريب إذا رأى شون الغلال من البعد ظنها مزارع مرتفعة لطول مكث الغلال وكثرتها فينزل عليها ماء المطر ويختلط بالتراب فتنبت وتصير خضرا كأنها مزروعة وكان عنده من الأجناد والقواسة وأكثرهم من بقايا القاسمية انضموا اليه وانتسبوا له وهم عدة وافرة وتزوجوا وتوالدوا وتخلقوا باخلاق تلك البلاد ولغاتهم وله دواوين وعدة كتبة من الأقباط والمستوفيين والمحاسبين لا يبطل شغلهم ولا حسابهم ولا كتابتهم ليلا ونهارا ويجلس معهم حصة من الليل إلى الثلث الأخير بمجلسه الداخل بحاسب ويملي ويأمر بكتابة مراسيم ومكاتبات لا يعزب عن فكره شيء قل ولاجل ثم يدخل إلى الحريم فينام حصة لطيفة ثم يقوم إلى الصلاة وإذا جلس مجلسا عاما وضع بجانبه فنجانا فيه قطنة وماء ورد فإذا قرب